الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

133

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بأن تهديدات نبي الإسلام لم تكن مزاحا أو اعتباطا ، بل هي حقيقة مرة يجب أن تفكروا فيها . عند ذلك توضح الآية حال هؤلاء عندما تتسع دائرة العذاب لتشمل ديارهم العامرة ، وعجزهم أمام العقاب الإلهي ، فتقول : فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون ( 1 ) تماما كفلول جيش منهزم يرون سيوف العدو مسلولة وراءهم فيتفرقون في كل جانب . إلا أنه يقال لهؤلاء من باب التوبيخ والتقريع : لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون . إن هذه العبارة قد تكون إشارة إلى أن هؤلاء حينما كانوا غارقين في تلك النعمة الوفيرة ، كان السائلون وطالبو الحاجات يترددون دائما إلى أبوابهم ، يأتون والأمل يقدمهم ، ويرجعون بالخيبة والحرمان ، فالآية تقول لهم : إرجعوا وأعيدوا ذلك المشهد اللعين . وهذا في الحقيقة نوع من الاستهزاء والملامة . واحتمل بعض المفسرين أن تكون جملة لعلكم تسألون إشارة إلى قدرة وثروة هؤلاء في الدنيا ، حيث كانوا يجلسون في زاوية وعلائم الأبهة والكبرياء بادية عليهم ، وكان الخدم يأتون إليهم ويحضرون عندهم بصورة متوالية ويسألون إن كان لديهم أمر أو عمل يقومون به . أما من هو قائل هذا الكلام ؟ فلم تصرح الآية به ، فمن الممكن أن يكون نداء بواسطة ملائكة الله ، أو أنبيائه ورسله ، أو نداء صادر من داخل ضميرهم الخفي ووجدانهم . في الحقيقة إنه نداء إلهي يقول لهؤلاء : لا تفروا وارجعوا ، وكان يصل إليهم بإحدى هذه الطرق الثلاث .

--> 1 - " الركض " يأتي بمعنى ركض الإنسان بنفسه ، أو بمعنى إركاض المركب والدابة ، ويأتي أحيانا بمعنى ضرب الرجل على الأرض مثل اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب سورة ص - 42 .